الثلاثاء، 25 أغسطس 2009

المرآة

في المستشفى :
يطلب الطبيب من الزوجة الحديث معها خارج الغرفة . " سيدتي .. يؤسفني أن أخبرك أن الحالة الصحية لزوجك لن تمكنه من العيش لأكثر من عام ، فقلبه لن ... " , تبكي الزوجة بكاءً مكتوما ً. يربت الطبيب على كتفها مواسيا ً ، و يتركها مكتفيا ًبما أخبرها به . لا يكاد الطبيب يبتعد عدة خطوات ، حتى يعود أدراجه إليها ثانية .
-- أعرف صديقا ًلي .. هو طبيب و عالم .. يجري تجربة ًهامة .. و أعتقد أن زوجك يملك الوقت الكافي للاستفادة منها .
-- تجربة ! .. ما هي ؟
-- أعتقد أن الحديث عنها في وجود صديقي سيكون أفضل .
تشكره الزوجة على تجديد أملها . تدخل على زوجها ، فيستشف من حمرة وجهها ما أخبرها به الطبيب عن سوء حالته . تدرك الزوجة ذلك ، فتدنو منه لتجدد لديه الأمل .


في منزل الدكتور(ع) :
تسرح الزوجة و هي تتأمل شهادات الثناء و التقدير المؤطرة التي تملأ الحائط الكائن فوق المدفأة في الواجهة . يلاحظها الطبيب المعالج فيهمس لها : " اطمئني يا سيدتي .. فصديقي رائد في مجاله ، و لولا ثقتي به ، لما كنا هنا الآن " . توميء له الزوجة في توتر . يبدأ الدكتور(ع) كلامه بوجهٍ بشوش : " لقد تقدم الطب في السنوات الاخيرة خطواتٍ عديدة ، تفوق ما تنقله لكم قنوات التلفزة و مواقع الانترنت ، و صديقي الدكتور(س) يعلم ذلك جيدا ً " . يوميء الدكتور(س) موافقا ًعلى كلامه . يكمل : " يستطيع الأطباء في زمننا هذا استبدال قلبك بآخر من أحد المتبرعين ، لكن عليك أولا ً الانتظار لشهور ٍعديدة في قائمة المستقبلين للأعضاء ، و بعدها ربما يرفض جهازك المناعي العضو الجديد ، و حتى لو تقبـّله .. فستعيش على الأكثر عاما ًواحدا ًفقط ، تقضيه في السرير و تحت كم مهول من جرعات الأدوية المثبطة للمناعة والأدوية المنشطة لعضلة القلب " . يزداد توتر الزوجة و تنظر لزوجها متسائلة و الذي يتساءل بدوره : " و ماذا تقترح علينا يا دكتور ؟ " . يعتدل الدكتور(ع) في كرسيه ، و تتحول ملامح وجهه البشوش إلى الجدية : " ما سأقوله الآن هو أمرٌ بالغ السرية .. و لولا مكانة الدكتور(س) عندي لما قمت بهذه المجازفة ..


في قاعدة سرية بالصحراء :
يهبط الزوج و الزوجة من الطائرة المروحية يتقدمهم الدكتور(ع) . و بعد مرورهم عبر عدة أبواب مغلقة بأكواد سرية يضغطها الطبيب بسلاسة ، يجدون طبيبا ًشابا ًفي استقبالهم بوجهٍ بشوش : " مرحبا دكتور(ع) ، لقد أخبرنا قائد المروحية أنكم على وشك الوصول ، و قد قمنا بكافة الاستعدادات اللازمة " . " حسنا ًدكتور(د) " و يتوجه بحديثه نحو الزوجين شارحا ً : " سيأخذكم الدكتور(د) في جولة تعريفية موضحا ًبالتفصيل ما أوجزته لكم البارحة " . يذهب الزوجان مع الدكتور(د) إلى قاعة تشبه قاعات الدرس ، يسألهم الجلوس و يقف جوار جهاز (بروجيكتور) تسقط الصورة المنبعثة منه على شاشة عملاقة .

" سيدتي .. سيدي .. سأشرح لكما الآن خطوات عملية الاستنساخ التي سنقوم بها .. أعرف أن ما سأقوله كلام علمي بحت ، لكني سأحاول تبسيطه قدر الإمكان في الخطوات التالية :
1 - الحصول على بويضة من إحدى المتبرعات ، و قد حصلنا عليها بالفعل
2 - تفريغ هذه البويضة من محتوياتها .
3 - أخذ بعض الخلايا من بشرتك سيدي ، و هي عملية بسيطة و غير مؤلمة .
4 - حقن خلية واحدة من خلايا البشرة في البويضة المفرغة .
5 - تعريض البويضة لعدة صدمات كهربية لتحفيزها على الانقسام ، و نحن بذلك نخدعها و نحملها على الاعتقاد أن ما تم حقنها به هو حيوان منوي ذكري . بعدها سننتظر ليومين حتى يتم الانقسام إلى اثنين و أربعة و ثمانية خلايا جنينية .
6 – الخطوة الأخيرة و فيها يكمن الجديد في تجربتنا . ففي الماضي القريب ، كنا نزرع هذه الخلايا الجنينية في رحم امرأة ، بعدها تسير عملية الاستنساخ كأي عملية حمل و ولادة طبيعية ، لكن كما تعرفان ، بهذه الطريقة سنحتاج إلى عدة سنوات حتى نتمكن من الحصول على حجم القلب المناسب للزرع . ما سنقوم به هو تحفيز نمو الجنين خارج الرحم ، و خلال عدة شهور سيكون الجسد المستنسخ قد مر بمراحل الطفولة و المراهقة و الشباب ، بعدها سيكون جاهزا لاستخلاص قلبه و زرعه لديك " .
كانت الزوجة خلال المحاضرة قد تاهت بين التفاصيل المعقدة ، بينما كان الزوج يفكر في نسب نجاح هذه التجربة من الأساس ..


خارج غرفة العناية الفائقة :
يقف الزوج ممسكا ًبيد زوجته خلف الحائط الزجاجي للغرفة .. يتابعان في ذهول الجنين الذي بدأت تتضح معالمه . وقف الدكتور(ع) إلى جانبهما و قال في سرور : " كما تريان لقد نجحنا في جميع الخطوات التقليدية ، كل ما علينا فعله الآن هو التحلي بالصبر حتى تنتهي المرحلة الأخيرة ، و يكتمل نمو هذا الجسد " ، تتساءل الزوجة : " و كم سننتظر حتى يحدث ذلك ؟ " ، يرد الدكتور : " على أقل تقدير عشرة أشهر ، قد تبدو هذه المدة طويلة بعض الشيء ، لكن إذا قمنا بتسريع معدل النمو أكثر من ذلك ، قد تنتج تشوهات و عيوب جسدية بالغة ، و ربما تطال القلب الذي هو مرادنا " .


في منزل الزوجين :
بعد مرور سبعة أشهر منذ بدء عملية الاستنساخ . الزوج يرقد في الفراش و قد ساءت حالته للغاية . تدخل عليه الزوجة قادمة ً للتو من القاعدة السرية . يسألها زوجها :
-- ها .. ما الأخبار ؟
-- لقد وصل جسديا ًلمرحلة المراهقة .. يطلقون عليه هناك اسم (الجسد بيتا) .. أراه اسما ًسخيفا ً.. لكنْ ما يهمني هو أن يستمر نجاح التجربة حتى النهاية .
-- ماذا تقصدين بأنه " وصل جسديا ً لمرحلة المراهقة " ؟
-- أقصد أن جسده جسد صبي في الثامنة عشرة ، لكن عقله .. عقل طفل ٍ في السنة الأولى من عمره . لم يزل يرمقني بتلك النظرة البلهاء كلما لمحني أراقبه من خلف الزجاج أو أتحدث مع الدكتور(ع) .
-- و ما تفسير الدكتور(ع) لذلك ؟
-- يقول .. إن ذلك كان شيئا ًمتوقعا ً، فالعقاقير التي يحقنونه بها ليلَ نهار قادرة فقط على تحفيز نمو جسده ، أما المخ فيحتاج إلى أكثر من ذلك .. يحتاج إلى تجارب حياتية و احتكاك بالناس و بالمؤثرات الخارجية . و هو لا يبالي بذلك كثيرا ً، فعلى حسب قوله .. كما كانت البويضة المفرغة وعاءً له عند بداية تكوينه .. فـ(الجسد بيتا) وعاء للقلب المراد حتى اكتمال تكوينه .
-- لا أدري يا زوجتي العزيزة .. لكني أشعر برغبةٍ ملحة في رؤيته .. أعلم أن الطبيب منعني من مغادرة الفراش .. لكني أجد هذه الرغبة تلازمني طوال الوقت .


خارج غرفة العناية الفائقة :
يقف الرجل خلف الحاجز الزجاجي يراقب (الجسد بيتا) جالسا على الأرض يلهو ببعض الألعاب . يلمحه (الجسد بيتا) ، فينهض و يتجه نحوه . يقف الاثنان وجها ً لوجه ، لا يفصل بينهما سوى لوح الزجاج و نظرات الذهول . كان الرجل كمن ينظر لصورته في المرآة ! يضحك (الجسد بيتا) ضحكة طفولية تـُخرج الرجل من ذهوله , و يبسط كفه على الزجاج محاولا ً ملامسة شبيهه . يخشى الرجل من التعلق به ، فينصرف و يتركه لاصقا ً وجهه و ذراعيه على الزجاج محاولا ً اختراقه . يكتشف (الجسد بيتا) عجزه عن اختراق الزجاج .. فينخرط في البكاء .


في منزل الزوجين :
تصيح الزوجة في وجه زوجها : ماذا تعني بهذا الكلام .. هل جننت !
-- الجنون هو أن نرتكب جريمة شنيعة كهذه .
-- و أين كان كلامك هذا منذ البداية .. الآن فقط تدرك ما نفعله .. بعد مرور عشرة أشهر كاملة .
-- ألم تنظري إلى البراءة الكامنة في عينيه .. ألم تشاهدي ضحكته الطفولية التي يستقبلنا بها كلما رآنا .
-- نعم .. نعم ، رأيت ضحكته البلهاء ألف مرة طوال عشرة أشهر كاملة من الذهاب و الإياب .
-- هل زالت المحبة و الرحمة من قلبك .. أنا لا أصدق أنك نفس المرأة الحنون التي تزوجتها .
-- إن كنت تعتبر خوفي على حياتك , و حبي الأعمى لك قسوة ، فأنا أعشق تلك القسوة .
-- يا عزيزتي .. الامور لا توزن هكذا ، فمهما كان هذا الجسد ، هو في النهاية بشر ، و ليس أي بشر ، بل بمثابة الابن أو الأخ لي .
-- ها أنت ذا تسئ وزن الأمور .. إياك أن تسمه ابنك .. فبطني لم تحمل هذا المخلوق الغريب ، كما أنك تعلم جيدا أنه ليس أخا ً لك . إنه مجرد وعاء يحفظ القلب الذي تريده .. مجرد خلية من جسدك كآلاف الخلايا التي تذبل و تموت كل يوم دون أن تشعر بها .
-- و هل في اعتقادك إن ماتت هذه الخلية .. أني لن أشعر بها ؟


في القاعدة السرية :
طاقم التمريض يحاول السيطرة على (الجسد بيتا) الذي دخل في حالة هياج خلال نقله من غرفة العناية الفائقة إلى غرفة العمليات ، كأنه على دراية بالمصير الذي ينتظره . في الحقيقة .. هياجه كان بسبب مغادرته للغرفة التي كانت له بمثابة الرحم .. الأم .. الوطن طوال فترة حياته القصيرة . كان ذلك تفسير الدكتور(ع) الذي لم يتأثر بدموع الطفل/ الرجل . كل ما كان يشغله هو استكمال تجربته حتى النهاية . في هذه الأثناء ، كان الزوج مستلق ٍ على طاولة العمليات ، مستسلما ً تحت ضغوط زوجته و الدكتور(ع) . كان لا يزال رافضا لما يقومون به ، لكنه لم يستطع مقاومة دموع زوجته و توسلاتها في المرة الأخيرة التي ناقشا فيها هذا الأمر .

استطاع الفريق الطبي أخيرا السيطرة على (الجسد بيتا) بعد حقنه بالمهدئات . أدخلوه غرفة العمليات ، و وضعوه على طاولة عمليات ثانية في الجهة الأخرى من الغرفة . اقترب طبيب التخدير من الزوج ليشرح له ما سيحدث : " سيقوم الفريق الطبي الأول باستخراج القلب من (الجسد بيتا) ، في هذه الأثناء سيكون الفريق الثاني قد بدأ في شق صدرك استعدادا ً لاستقبال القلب الجديد " . قالها هكذا ببساطة ، و كأن ما سيحدث في اللحظات المقبلة ليس بجريمة . هكذا فكر الزوج و هو يتهاوى تحت سطوة المخدر ، بينما كان (المونيتور) في الجهة الأخرى من الغرفة يصفر بوحشية معلنا ًوفاة (الجسد بيتا) بعد انتزاع قلبه .

استمرت عملية زرع القلب الجديد ساعاتٍ و ساعات . و عندما انتهى الأطباء من الزرع .. قال قائد الفريق بفخر : " و الآن أيها السادة .. يفصلنا عن نجاح التجربة لحظات في انتظار أن ينبض القلب الجديد بالحياة " ، لكن يطول انتظارهم لما يقارب الساعة ، قاموا خلالها بالتدليك اليدوي للقلب ، و قاموا بصدمه كهربيا ًبجهاز الصدمات ، بينما استمر (المونيتور) في الصفير معلنا ً لهم رفضه للجريمة .

رضا

يطلب منها الطبيب النائب أن تخلع مشد الصدر لدقائق معدودة . تنظر إليه في أسىً .. فيهز رأسه مواسيا ً . تطيعه و هي مغلوب على أمرها . يتدلى نهداها في خجل . ترحل نظراتها بين عيوننا .. في محاولة يائسة لتتبين إن كنا ننظر إليها نظرة أطباءٍ يريدون العلم .. أم نظرة شباب ٍ نهم غلبت عليهم فورة الشباب . تطأطئ رأسها معلنة ً فشلها في الوصول إلى إجابة .

هي امرأة ثلاثينية . ترتدي جلبابا ً يغلب عليه الطابع الريفي بألوانه الزاهية . ترتدي من تحته بنطالا ً حتى يسترها حين تكشف لنا عن بطنها المنتفخ . بشرتها السمراء تشوبها بعض البقع الباهتة الناتجة عن سوء التغذية . لها أنفٌ أفطس ، و شفاهٌ غليظة ، و عينان واسعتان حددتهما بالكحل .

تسري القشعريرة في بدنها عندما يبدأ أحد زملائنا في الفحص بطريقة الطرق على الأصابع . يبدأ كما تعلمنا من أعلى قفصها الصدري إلى أسفله محاولا ً الحصول على حدود كبدها المتضخم . يبتسم زميلنا ابتسامة انتصار عندما يتحول الصوت الرنان عند الطرق إلى صوتٍ مكتوم ، معلنا ً اصطدامه بالحافة العليا للكبد . يهز الطبيب النائب رأسه مشجعا ً زميلنا .. و بطريقة آلية اعتدناها .. يتنحى زميلنا جانبا ً متيحا ً الفرصة للبقية .

ألحظ عينيها مغرورقتين بالدموع و هي تعاود محاولاتها اليائسة لاستكشاف بواطن نفوسنا . يغمزني زميلي بمرفقه .. فأنتبه للطبيب النائب و هو يكرر سؤاله : " هل تبقى بينكم من لم يفحص الست رضا ؟ " . تعاطفي معها يمنعني من التقدم لفحصها . نتركها و ننتقل مع الطبيب النائب إلى السرير التالي .

ترافقها عيناي وهي تخترق العنبر ، متجهة ً نحو غرفة السكرتارية ، لتقبض بضعة جنيهات ، و تسأل عن ميعاد الدرس القادم ..

قصور من الرمال

أخيرا انتهت الدراسة ، و بدأت عطلة نهاية العام . كنت أنتظر هذه العطلة بشغف ، خاصة ً و أن أبي وعدنا هذا الصيف برحلة إلى أحد الشواطئ .
أمضيت طيلة النهار أسترجع ذكريات عطلاتنا الصيفية الماضية . استرجعت النشوة التي كانت تشملني عندما أرى خيط البحر ممتدا ً خلف البنايات ، مع اقتراب دخولنا المدينة بالأتوبيس السياحي .
مرت أمام عيني صور القصور التي كنت أبنيها من الرمال (هوايتي الشاطئية المفضلة) .. و التي كانت دائما ً ما تحظى باهتمام المارة على الشاطئ ، خاصة ً الأطفال (الذين تظل عيونهم تترقبنا حتى نغادر الشاطئ ، فيسوون بالقصور الأرض) . كنت أبكي حينها ، فيعدني أبي بتأجير دراجة ، نظل نلهو بها طوال الليل. هناك .. تعلمت ركوب الدراجة لأول مرة .
مساء هذا اليوم السعيد ، استلقيت على سريري ، وأطلقت لأفكاري العنان ، و بدأت الأفكار تتعاقب ، وتتلاحق ، و تتنافس .


في الصباح .. استيقظت على الصياح و الهتافات المنددة والمؤيدة . خرجت لأرى ما الأمر ، فوجدت اجتماعا ً مهيبا ً مكونا ً من أعضاء أسرتي ، وبرئاسة والدي .
الجميع يجلس على المائدة ، و بدلا ً من طعام الإفطار ، وجدت الأوراق و الملفات و الأقلام . لقد تقدم إخوتي بطلب للذهاب لأحد المصايف ، مرفقين طلبهم بدراسة شاملة للمدينة المرادة ، والأماكن الترفيهية الموجودة بها .
ما هذا بحق السماء !
لم أتخيل أن يتناول الجميع موضوع المصيف بهذه السرعة و هذه الحماسة . فبالأمس و بعدما فكرت في المدن المتاحة لقضاء العطلة ، سخرت من نفسي ، وظننت أني تحمست للموضوع زيادة ً عن اللازم . و الآن ، وقد تقدم الجميع بأوراقه (باستثنائي) ، لم أجد بُدا ً من الجلوس كمستمع .


جلست بجوار أختاي التوأم المتماثل ندى و سلمى . كانت أمي دائما ً تذكر أن ندى وُلدت أولا ً .. مما جعلها تتزعم هذا الثنائي الغريب . و من حسن حظي أني كنت أحظى بالرضى لديهما . فبالرغم من أني أكبرهما بعامين ، إلا أنهما تمثلان مركزا ً للقوى بالمنزل ؛ فرأيهما واحد ، و أفكارهما واحدة ، و اتجاهاتهما واحدة . و الأهم من كل ذلك انهما تضمان مصروفيهما ليصبح واحدا ً . لذلك فالحصول على رضاهما يعني الحصول على قروض طويلة الأجل بدون فوائد أو ضمانات .


عاد الصياح من جديد ، وعادت الهتافات عندما هم أبي لمعاودة الحديث ، وعندما بدأ ، ساد الصمت الجميع .
يملك أبي هيبة كهيبة القضاة .. لم ألحظها في صغري .. ربما لأنه لم يكن يملك حينها شاربه الكبير أو نظارته الطبية . يبيع أبي الملابس في متجره الخاص ، و بالرغم من صغر دخله ، لم يتأخر يوما ً عن تلبية مطالبنا .
" أما الآن فسأملي عليكم ما جاء في ملف ندى و سلمى " .. و بدأ الوالد العزيز يسرد ما كتبته أختاي عن مطروح ، و جمال مطروح ، و معالم مطروح ، و شواطئ مطروح . و بينما كان أبي يسترسل في قراءته ، كانت أمارات الفرحة و الحماسة تزداد على وجهيهما ، و كأن أبي قد وافق على طلبهما .
ملت على أذن ندى التي تجلس بجواري و قلت لها : " ما كل هذا يا ندى ؟ كيف عرفتم كل هذه المعلومات عن مطروح بالرغم من أننا لم نزرها من قبل ؟ "
ردت ندى : " إنها عملية بسيطة .. فبمجرد الدخول على شبكة الإنترنت ، ستجد أطنانا ً من المعلومات عن مطروح "
قلت لها : آه .. الآن فهمت .
قلتها و أنا أعض أصابع الندم على عدم تفكيري في الأمر كما فكر الجميع فيه . لكن من حسن الحظ أن أختاي اختارتا المدينة التي كنت سأختارها . و أكاد اكون متأكدا ً أنها ستنال موافقة العائلة ، لأن أختاي كما قلت تمثلان مركزا ً للقوى في المنزل .
انتهى أبي من قراءة الملف ، و ارتفع هتاف أختاي : " تعيش مطروح .. تعيش مطروح " . طرق أبي عدة طرقات على المائدة طالبا ً الهدوء (تماما ً كقاض ٍ في قاعة المحكمة) .


حتى تلك الحظة ، لم أكن أصدق ما يحدث ، ففي العطلات الصيفية الماضية .. عادة ً ما كان أبي و أمي يتفقان على أحد المصايف ، ونرضخ نحن لرأيهما دون أي مجادلة أو نقاش . لكن يبدو أن رياح الديموقراطية التي تهب في العالم من حولنا قد مست منزلنا ، فقرر أبي أن يكون اختيار المصيف هذا العام عن طريق التصويت .
و بينما كنت أفكر في صواب القرار .. و تملؤني الأمنيات أن يكون معبرا ً عن رغباتنا .. عاود أبي الحديث من جديد ، مُصدرا ً البيان الختامي للاجتماع ( بعدما لمح بفطنته أني لم أعد مشروعا ً لهذه الجلسة ) :
أبنائي الأعزاء .. رأيت أنا و أمكم العزيزة أن نترك لكم حرية التعبير عن آرائكم و آمالكم تجاه المصيف هذا العام .. خاصة ً بعدما لاحظنا اهتمامكم المتزايد بالفكرة خلال فترة الامتحانات ، إلا أن القرار في النهاية يعود إلينا ، و قد قررنا الآتي :
" إلغاء رحلة المصيف هذا العام نظرا ً للأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد "